حوادث وجرائم

سلسلة قصصية : الخيط الأحمر(5)

الفصل الخامس ” القربان “

بعد أسبوع من موت رُقيان ، بدا كل شيء في المدينة كأنه يعود لطبيعته ، أو على الأقل يتظاهر بذلك ، أغلقت الصحف أخبار القضية تحت عنوان

 ” قاتل طقوسي أنهي حياته في اللحظة الأخيرة ” .

لكن ملك لم تنم ليلاً منذ ذلك اليوم ، كان هناك شيء ناقص ، شيء في عيني رُقيان لحظته الأخيرة … لم يكن ندماً ، بل راحة ..كأن مهمته انتهت ولم تكن مهمته القتل ..بل الفتح .

ذات مساء تلقت ملك طرداً بريدياً ، بلا عنوان مرسل ، في داخله كتاب ، نفس النسخة القديمة من ” أجساد مؤهلة للفصل “ التي وجدتها في الأرشيف ، لكن هذه النسخة لم تكن مهترئة ، بل نسخة جديدة مطبوعة ، ذات غلاف جلدي فخم وعليها اسم دار نشر معروفة .

في الصفحة الأولى …إهداء

” إلى من شهدوا الطقس الأول فلن يتوقف …حتى تكتمل الدائرة “

أُرفق مع الكتاب بطاقة صغيرة كتب فيها بخط يد أنيق

 ” القُربان التالى ..وُلد بالفعل”

في تلك الليلة ، اختفى طفل من دار الرعاية التي نُقل إليها الشاهد الصامت ، الذي ساعد حازم في تتبع القاتل ،

تعطلت الكاميرات يومها لسبب غير معروف ، و الدفتر الذي اعتاد الطفل أن يرسم فيه ،  وُجد على السرير .

آخر صفحة من الدفتر كان مرسوم فيها ، ملك واقفة وسط دائرة من أطفال ، وجميعهم يشدّون خيطاً أحمر يمتد من يدها إلى قلوبهم ، وفي الزاوية …توقيع

جلس حازم في سيارته أمام مبنى دار الرعاية ، يقرأ تقرير الاختفاء ، المكان محاط بالكاميرات و الحراس ، لكن الطفل اختفى كما يختفي طيف في المرآة ..بلا أثر ..بلا صوت .

ما أثار قلقه ليس مجرد الاختفاء ، بل الرموز الجديدة التي وُجدت مرسومة على الجدران الخارجية ،

بنفس النمط الذي كان رُقيان يستخدمه ، مع تغيير واحد الدائرة لم تعد مغلقة ، فيها فجوة ..كأنها تنتظر شيئاً أو أحداً .

في مساء اليوم التالي ، تلقت ملك ظرفاً صغيراً ، داخله صورة من كاميرا مراقبة لمدخل مبنى قديم ،

مُظلم ، يظهر فيه رجل طويل القامة ، يمسك بيد طفل صغير ، لكن الطفل لم يكن مذعوراً …كان  مبتسماً ، كُتب على ظهر الصورة

التلميذ لا يخون الطقس ..فقط ينتظره أن ينضج

ذهبت ملك إلى حازم بوجه شاحب ، و عينان مثقلتان بالسهر والخوف

” ما يحدث ليس مجرد إرث مريض ، أعتقد أن رُقيان لم يكن المؤسس ..بل كان الحلقة التي أُعيد بها فتح الطقس  “

رد حازم بقلق

” هل تعنين أن هناك من يسبق رُقيان

هزت رأسها

” و ربما …من يأتي بعده “

أخرجت من حقيبتها الكتاب الذي تلقته ، وفتحت الصفحة الأخيرة ، كان فيها توقيع …ليس رُقيان ، بل رمز طباعة حديث ، يحمل الحرفين ” ر. ج “

و أردفت ” ربما رُقيان .. جوين ! أو ربما اسم جديد ؟ تلميذ ! ابن ! “

ثم نظرت إلى الكتاب مكملة حديثها

” أتعلم ماهو الأسوء ؟ هذه النسخة جديدة مهيأة للنشر ، كأن هناك من يريد أن يُخرج الطقس من الظل …إلى النور “

غرفة مظلمة ، مضاءة بشموع موزعة بدقة ، على الأرض دائرة حديثة مرسومة باللون الذهبي ، في المنتصف طفل في الثامنة تقريباً ، يجلس صامتاً ، يكتب في دفتر جلدي ، ما تمليه عليه امرأة تقف خلفه ، لا يظهر وجهها ، تحمل بين يديها شيئاً صغيراً و لامعاً 

” كل ما أراده رُقيان  كان المغفرة … لكن نحن لا نغفر .. نحن نكتب “

ثم ترفع الخيط الأحمر و تأمر الطفل بغلق الدفتر …

”  الاعتراف “

” مالم تتذكّريه ..سيقتلك “

كانت تلك العبارة تلاحق ملك في كل مرآة تنظر إليها ،

ولم تعد متأكدة إن كانت تسمع صوت رُقيان ، أم صوتها هي ، في زمن آخر .

في المساء ، جلست وحدها على أرض غرفتها ، وضعت دفترها القديم أمامها ،

دفتر التحقيق الذي كانت تستخدمه في فترة تدريبها الصحفي ، فتحت أول صفحة ، بخط يد مهتز ، كُتب منذ سنوات

دار النسيان .. طفلة بعينين خائفتين ، تتوسل ألاّ تكتب اسمها … قالت لها إذا عرفوا أني تكلّمت سيأخذون رُقيان  “

أغمضت ملك عينيها ، فتدفق كل شيء دفعة واحدة

 تلك الليلة حين دخلت خلسة إلى دار الأيتام ، بعد تلقيها بلاغاً سرياً ، لم تجد شيئاً أول الأمر ، لكنها سمعت بكاءً خافتاً في القبو ، هناك وجدت الطفلين …

رُقيان و طفلة مجهولة ، كانا جالسين في الظلام ، يختبئان من الحراس ،

الطفلة أعطتها دفتراً صغيراً ..مليئاً برموز و دوائر ، نفس الرسومات التي استخدمها القاتل لاحقاً ، قالت لها الفتاة

” هذا من رُقيان .. يرسمها كل ليلة بعد أن يفيق من الكوابيس “

وعدتها ملك أن تُبلغ عما يحدث هنا وأنها ستُنقذهم ،

لكن حين خرجت من المبنى ، أوقفها رئيسها في الصحيفة قائلاً

” تقريرك ممتاز ، لكن لا نملك تصريحاً قانونياً للنشر الأن .. انتظري “

وبين الانتظار و الصمت احترقت الدار ، وماتت الطفلة ، واختفى رُقيان

” أنا لم أكن أشاهد فقط ”  همست ملك

” أنا كنت أول من خان “

في تلك الليلة ، تلقّت ملك مظروفاً دون اسم مرسل ، في داخله صورة قديمة

 هي … تقف عند بوابة دار الأيتام ، ترتدي معطفاً رمادياً ،

تمسك بدفترها ، في الخلفية ، خلفها تماماً تقف امرأة ترتدي ثوباً أسود ،

تغطي وجهها ، تحمل طفلاً صغيراً ، في خلف الصورة كُتبت عبارة

” ما بدأته … لم ينته ، الحافظة تنتظر من يرث القربان “

في مقر الشرطة كان حازم ، يراجع تقارير الأرشيف مرة أخيرة ، حتى عثر على اسم لم يظهر سابقاً ،

 عاملة نظافة سابقة في دار الأيتام ، اختفت بعد الحريق بأسبوع ، لكن التقرير يذكر شيئاً غريباً ، كانت تُلقب داخل الدار ب ” الحافظة “

امرأة تقرأ الرموز التي يرسمها الأطفال ، وتفسرها للمدير ، الاحتمال الذي لم يفكر به أحد

، ماذا لو لم يكنرُقيان هو المؤسس … بل مجرد وعاء اختارته الحافظة منذ طفولته ؟

ماذا لو تم تدريبه على الطقوس منذ البداية ؟

قبو حجري ، يضج بالشموع و الرموز ، تقف امرأة عجوز ، شعرها رمادي مضفور ، تهمس بكلمات غامضة ، بينما يقف الطفل الجديد أمامها ، تضع يدها على رأسه قائلة

” لقد غسلناك من خوفك ، و الأن نغسلك من ضعفك … ملك هي الاعتراف .. وحين تعترف تكتمل أنت “

ثم تلف حول معصمه خيطاً جديداً …. ذهبي اللون هذه المرة …

About Me

Web ~  More Posts

مجلة إخبارية وثقافية تحتوي على كل ما يهمك تايعنا لحظة بلحظة ليصلك كل جديد

إدارة المجلة

مجلة إخبارية وثقافية تحتوي على كل ما يهمك تايعنا لحظة بلحظة ليصلك كل جديد

One thought on “سلسلة قصصية : الخيط الأحمر(5)

  • Alright gamers, gave play.hit 8.club a spin. Honestly, the graphics are pretty slick! Gameplay is smooth too, worth checking out for a few rounds if you’re bored. Head over to play.hit 8.club

    Reply

Comments (1)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *